أحمد مصطفى المراغي

5

تفسير المراغي

من علوم الأولين ، وكيف خطر على بالكم أن تعبدوها وهي لا تستجيب لكم دعاء إلى يوم القيامة وهي غافلة عنكم ، وفي الدار الآخرة تكون لكم أعداء وتجحد عبادتكم لها . الإيضاح ( حم ) الكلام في مثلها قد تقدم من قبل . ( تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) اعلم أنّ نظم أول هذه السور كنظم أول سورة الجاثية وقد تقدم إيضاحه وتفسيره . ( ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ) أي ما خلقناهما إلا خلقا ملتبسا بالعدل ، وبتقدير أجل مسمى لكل مخلوق ، إليه ينتهى بقاؤه في هذه الحياة الدنيا ، وهذا يستدعى أن يكون خلقه لحكمة وغاية ، وأن يكون هناك يوم معلوم للحساب والجزاء ، لئلا يتساوى من أحسن في الدار الأولى ومن أساء فيها ، ومن أطاع ربه واتبع أوامره ونواهيه ، ومن دسّى نفسه ، وركب رأسه ، واتبع شيطانه وهواه ، وسلك سبل الغواية فلم يترك منها طريقا إلا سلكه ، ولا بابا إلا ولجه . ثم بين غفلة المشركين وإعراضهم عما أنذروا به فقال : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ) أي مع ما نصبنا من الأدلة ، وأرسلنا من الرسل ، وأنزلنا من الكتب - بقي هؤلاء الكفار معرضين عنه ، غير ملتفتين إليه ، فلا هم بما أنزلنا من الكتب اتعظوا ، ولا بما شاهدوا من أدلة الكون اعتبروا ، وأنّى لهم ذلك ؟ فهم صم بكم عمى لا يعقلون . وبعد أن أثبت لنفسه الألوهية ، وأنه رحيم عادل ، وأثبت البعث والجزاء يوم القيامة ، ردّ على عبدة الأصنام فقال : ( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ) أي قل لهم أيها الرسول : أخبروني عن حال آلهتكم بعد التأمل في خلق